اعلان ادسنس

الباستا الايطاليه

تاريخ الباستا الإيطالية | رحلة عبر القرون
تاريخ • ثقافة • مذاق

تاريخ الباستا الإيطالية

من صقلية العربية إلى موائد العالم... رحلة طبق أصبح رمزاً لإيطاليا وهويتها

الباستا ليست مجرد طعام. إنها قصة حضارات تلاقَت، وتجارة امتدت عبر البحر المتوسط، وتقنيات تطورت عبر القرون حتى أصبحت اليوم أحد أشهر الأطباق في العالم وأوضح رموز المطبخ الإيطالي.

لكن من أين بدأت؟ وهل حقاً أحضرها ماركو بولو من الصين كما يُشاع؟ وهل كانت دائماً تُقدَّم مع صلصة الطماطم الحمراء؟ دعونا نغوص في تاريخ هذا الطبق الأسطوري.

١

الأصول القديمة: قبل أن تُسمّى باستا

تعود جذور العجائن المصنوعة من الدقيق والماء إلى آلاف السنين في حوض البحر المتوسط. عرف الإغريق والرومان والإتروسكان أشكالاً مبكرة من العجين المسطح تُعرف بـ«اللاغانا» (lagana)، وهي رقائق رقيقة كانت تُخبز أو تُقلى غالباً، وليست تُسلق بالماء كما نفعل اليوم.

هذه «اللاغانا» تُعد السلف المباشر لطبق اللازانيا الحديث. أما فكرة سلق العجين في الماء وتجفيفه ليصبح قابلاً للتخزين والنقل، فظهرت لاحقاً في سياقات مختلفة حول البحر المتوسط.

٢

أسطورة ماركو بولو... والحقيقة التاريخية

انتشرت لعقود أسطورة رومانسية تقول إن الرحالة الفينيسي ماركو بولو أحضر الباستا من الصين في أواخر القرن الثالث عشر بعد عودته من رحلته الشهيرة. لكن المؤرخين اليوم يجمعون على أن هذه الرواية بلا أساس تاريخي.

فبينما كانت الصين تعرف أنواعاً من النودلز منذ آلاف السنين، كانت إيطاليا تعرف أشكالاً من العجائن المجففة قبل عودة ماركو بولو بأكثر من قرن. والدليل الأقوى يأتي من صقلية في منتصف القرن الثاني عشر.

«في غرب ترميني تقع قرية تُدعى تَرابية... تُصنع فيها كميات كبيرة من الإطرية (itriyya) وتُصدَّر في سفن محملة إلى بلاد المسلمين والمسيحيين على حد سواء.»

— الجغرافي العربي الشريف الإدريسي، كتاب «نزهة المشتاق»، عام 1154م
٣

صقلية العربية: مهد الباستا المجففة

خضعَت صقلية للحكم الإسلامي قرابة قرنين (من القرن التاسع حتى الحادي عشر). خلال هذه الفترة أدخل العرب تقنيات زراعية وصناعية متقدمة، من بينها زراعة القمح الصلب (الدورم) وطرق تجفيف العجين لجعله قابلاً للحفظ لفترات طويلة.

في عام 1154، وثّق الجغرافي المغربي محمد الإدريسي، بتكليف من الملك النورماندي روجر الثاني، وجود صناعة مزدهرة للإطرية (خيوط عجين مجففة) في منطقة تَرابية قرب باليرمو. كانت هذه الباستا تُصدَّر بكميات كبيرة عبر المتوسط، مما يجعلها أول دليل موثق على صناعة باستا جافة تجارية في أوروبا.

وهكذا، بينما كانت الباستا الطازجة موجودة في التقاليد المتوسطية القديمة، فإن الباستا المجففة — التي تسمح بالتخزين والنقل والتجارة — ولدت وتطورت في صقلية تحت التأثير العربي.

٤

محطات في رحلة الباستا عبر القرون

القرن ١٢–١٣

تجار جنوة ينقلون الباستا من صقلية إلى شمال إيطاليا. تظهر وثائق عن «ماكاروني» في جرد ممتلكات جندي جنوي عام 1279.

القرن ١٤

بوكاتشيو يذكر في «الديكاميرون» جبلاً من جبن البارميزان يتدحرج عليه الماكاروني والرافيولي نحو الجائعين في أسفل التل — صورة أسطورية عن الوفرة.

القرن ١٥–١٦

الباستا تدخل موائد النبلاء والبلاطات. تُقدَّم غالباً مع الزبدة والجبن والتوابل الشرقية وأحياناً السكر. تظهر أول النقابات الحرفية لصانعي الباستا.

القرن ١٧–١٨

نابولي تصبح عاصمة الباستا الأوروبية. بعد مجاعات، يتحول أهلها من «آكلو الأوراق» إلى «آكلو الماكاروني» (mangiamaccheroni). تُخترع آلات العصر والضغط مما يجعل الإنتاج أرخص وأوسع.

القرن ١٩

ظهور صلصة الطماطم مع الباستا. أول وصف واضح لـ«باستا آل بومودورو» كما نعرفها اليوم يعود إلى عام 1839 في كتاب طبخ نابولي. التصنيع الآلي يتوسع، وتُؤسس شركة باريلّا عام 1877.

٥

الطماطم... الوافد المتأخر الذي غيّر كل شيء

من المدهش أن نعرف أن الطماطم ليست إيطالية الأصل. وصلت من الأمريكتين في القرن السادس عشر، وظلت لوقت طويل تُعامل بحذر. أول وصف إيطالي لصلصة طماطم ظهر في تسعينيات القرن السابع عشر كتتبيلة للحوم.

أما الجمع بين الباستا وصلصة الطماطم السميكة بالطريقة التي نعرفها اليوم، فلم يتبلور إلا في أواخر القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر في نابولي. وهكذا، فإن الطبق الذي يُعتبر اليوم رمزاً لإيطاليا — السباغيتي بالطماطم — عمره أقل من قرنين!

معلومة مثيرة

حتى القرن التاسع عشر، كانت الباستا تُؤكل غالباً باليد. انتشار صلصة الطماطم السائلة هو ما جعل الشوكة ذات الأربع أسنان ضرورية وأصبحت جزءاً أساسياً من آداب المائدة الإيطالية.

٦

شمال وجنوب: عالمان من الباستا

تنقسم إيطاليا تقليدياً إلى مدرستين في صناعة الباستا:

الشمال — الباستا الطازجة

غالباً ما تُصنع بالبيض مع دقيق القمح الطري. أشهرها التاغلياتيلي، التورتيليني، الرافيولي، والأغنولوتي. تتميز بنعومتها وتُطهى سريعاً.

الجنوب — الباستا المجففة

تُصنع من سميد القمح الصلب (الدورم) والماء فقط. تتحمل التخزين لسنوات. أشهرها السباغيتي، البيني، الريغاتوني، والبوكاتيني. قلب صناعة الباستا التجارية.

٧

من طعام الفقراء إلى رمز وطني عالمي

في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، أصبحت الباستا طعام الشعب في الجنوب الإيطالي. ومع موجات الهجرة الإيطالية الكبيرة إلى أمريكا وأوروبا وأمريكا الجنوبية، حمل المهاجرون معهم وصفاتهم، فانتشرت الباستا في العالم وأصبحت رمزاً لإيطاليا نفسها.

اليوم توجد مئات الأشكال المختلفة للباستا، لكل منها اسم وتاريخ ومنطقة أصل. من أصغر الأنواع مثل الأورزو إلى الأكبر مثل اللازانيا، ومن المحشوة إلى المفرّغة، أصبحت الباستا لغة مشتركة بين المطابخ العالمية.

🍝

أكثر من 300 شكل

تُقدَّر أشكال الباستا الإيطالية التقليدية بأكثر من ثلاثمائة نوع، لكل منها اسم محلي وتاريخ خاص.

🇮🇹

رمز الهوية

أصبحت الباستا، خاصة مع صلصة الطماطم، أحد أبرز رموز الهوية الإيطالية بعد توحيد إيطاليا.

🌍

انتشار عالمي

بفضل المهاجرين الإيطاليين في القرنين التاسع عشر والعشرين، أصبحت الباستا طبقاً عالمياً يُحبّه الجميع.

٨

خلاصة الرحلة

تاريخ الباستا ليس قصة اختراع واحد أو شخص واحد. إنه قصة تفاعل حضاري بين العالم العربي والإيطالي في صقلية، وتجارة المتوسط، وتطور التقنيات، وتغير الأذواق عبر القرون.

من «الإطرية» التي وصفها الإدريسي في تَرابية، إلى الماكاروني في حكايات بوكاتشيو، إلى «آكلو الماكاروني» في شوارع نابولي، وصولاً إلى علب السباغيتي في مطابخ العالم كله... تظل الباستا شاهداً حياً على قدرة الطعام على عبور الحدود والقرون ليصبح جزءاً من ذاكرة البشرية المشتركة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال