موسم الذهب الأخضر: حين صارت تونس ثانية العالم، وبقيت إيطاليا تبيع اسماً أكثر مما تبيع ثمراً
في حوضٍ واحدٍ زرعت فيه الشعوب الزيتون قبل أن تكتب دساتيرها، انقلبت الموازين هذا العام بهدوءٍ يشبه نضج الثمرة. تونس حصدت ما لم تحصد منذ عقود، وإيطاليا استوردت ما لم تكن تستحي أن تسمّيه «إيطاليا»، وإسبانيا بقيت سيدة الكمّ، بينما راحت الأسعار تهمس بأن الوفرة ليست دائماً ثروة، وأن الاسم أحياناً أغلى من الزيت نفسه.
هذه ليست قصة محصولٍ فحسب. إنها قصة من يقطف، ومن يعبّئ، ومن يضع الملصق، ومن يدفع الثمن في الرفّ. وبين هذه الحلقات الأربع تتوزع مفارقات البحر المتوسط كلّه.
خريطة الموسم: 3.44 مليون طن… وأرقامٌ تُعيد ترتيب المقاعد
قدّر المجلس الدولي للزيتون إنتاج العالم من زيت الزيتون في موسم 2025/2026 بنحو 3.44 مليون طن، بتراجعٍ طفيفٍ يقارب 4٪ عن موسم 2024/2025 الذي بلغ نحو 3.57 مليون طن بعد انهيارٍ سابق في 2023/2024 حين هبط الإنتاج العالمي إلى نحو 2.59 مليون طن. الاستهلاك العالمي بقي قريباً من الإنتاج: حوالي 3.25 مليون طن.
لكن الرقم الإجمالي يخفي انقلاباً داخلياً. إسبانيا ظلّت الأولى بلا منازع بما يقارب 1.37 إلى 1.42 مليون طن. أما المقعد الثاني فقد شغلته تونس، بحسب تقديرات رسمية تونسية ومجلس الزيتون، بإنتاجٍ قياسيٍ بين 450 و500 ألف طن. إيطاليا، الاسم الذي يملأ الرفوف، دار إنتاجها حول 300 ألف طن فقط.
| الترتيب | الدولة | تقدير 2025/2026 (ألف طن) | الموسم السابق تقريباً |
|---|---|---|---|
| 1 | إسبانيا | 1,370 – 1,420 | مرتفع وقريب من هذا المستوى |
| 2 | تونس | 450 – 500 | نحو 340 |
| 3 | إيطاليا | 300 – 310 | نحو 248 |
| 4 | تركيا | 290 | 505 (سنة استثنائية) |
| 5 | اليونان | 220 | نحو 250 |
| 6 | المغرب | 160 | نحو 90 |
| 7 | البرتغال | 150 | نحو 177 |
الأرقام تجميع تقريبي من تقديرات المجلس الدولي للزيتون وتقارير قطاعية تونسية وإيطالية وإسبانية خلال 2025–2026. بعض الأرقام النهائية قد تُراجع بعد إغلاق المواسم.
هذا الجدول وحده يكفي لفهم الجملة التي ردّدتها الصحافة الأوروبية مطلع السنة: تونس تتجاوز إيطاليا. ليست مفاجأةً عابرة بقدر ما هي اتجاهٌ يتكرّر كلما جاء المطر في الساحل التونسي وتأخّر في بوليا أو جفّ في الأناضول.
تونس: محصولٌ قياسي… وصادراتٌ تملأ الخزينة ولا تملأ الزجاجة
من نوفمبر 2025 حتى نهاية يوليو 2026، أي في تسعة أشهرٍ من موسم التصدير، خرج من تونس 368 ألف طن من زيت الزيتون، بزيادة 55.3٪ عن الفترة نفسها من الموسم السابق. العائدات بلغت نحو 1.6 مليار دولار (حوالي 4.6 مليارات دينار تونسي، أو نحو 1.4 مليار يورو)، بنموٍ في القيمة أقلّ من نمو الكمية: +44.4٪. المعنى واضح: تونس باعت أكثر، لكن السعر لم يصعد بالوتيرة نفسها.
الكمية المصدّرة في 9 أشهر
+55.3٪ عن الموسم السابق
العائدات
+44.4٪… الكمية سبقت القيمة
البكر الممتاز
من حجم الشحنات المصدرة
الزيت السائب
والمعبّأ محلياً لا يزال أقلية
وصل الزيت التونسي إلى أكثر من 70 دولة. الاتحاد الأوروبي أخذ 57.1٪ من الكميات: إسبانيا وحدها 32.1٪، وإيطاليا 20٪. أمريكا الشمالية أخذت نحو 24٪، منها الولايات المتحدة بحوالي 19.2٪. ظهرت أيضاً السعودية والأردن ومصر وأسواق أفريقية بنسبٍ أصغر، في إشارةٍ إلى تنويعٍ حقيقي بعد سنواتٍ من الارتهان لبابٍ أوروبيٍ واحد.
هنا تبدأ المفارقة التونسية بحدّتها: جودةٌ تفوز بالميداليات، وكميةٌ تصعد إلى المرتبة الثانية عالمياً، ثم يغادر معظم الزيت البلاد في صهاريج. الزيت المعبّأ لم يتجاوز 14٪ من الحجم (نحو 51.5 ألف طن، وإن ارتفع هو الآخر بنسبة 50.8٪). من يعبّئ يربح الاسم والهامش. ومن يبيع سائباً يربح السيولة ويخسر السردية.
تونس تنتج زيتاً يُمدح في المسابقات، ثم تُصدّره كي يُمزج في معاصر الآخرين ويخرج بملصقٍ لا يذكر الشجرة التي أطعمته.
ليس هذا عيباً أخلاقياً بقدر ما هو بنية سوق. المعاصر الأوروبية تملك شبكات التوزيع، والعلامات التجارية، وثقة المستهلك الذي اعتاد كلمة «إيطالي» أو «إسباني» على الزجاجة. تونس تملك الشجر والمطر هذا العام، ولا تملك بعدُ ما يكفي من العلامات التي تدخل المطبخ الغربي باسمها لا باسم وسيط.
إيطاليا: البلاد التي تعلّم العالم الزيت… ثم تشتريه
إنتاج إيطاليا هذا الموسم تعافى نسبياً إلى نحو 300–310 آلاف طن بعد سنةٍ بائسة بلغت حوالي 248 ألفاً. غير أن الاستهلاك الداخلي يُقدَّر بنحو 470 ألف طن. الواردات تجاوزت 570 ألف طن، والصادرات المتوقعة دارت حول 371 ألفاً. الحساب بسيط وقاسٍ: إيطاليا لا تكفي نفسها، ومع ذلك تصدّر.
كيف تصدّر بلداً يستورد؟ الجواب في المزج والتعبئة. يصل الزيت من إسبانيا واليونان وتونس، يُخلط أو يُعاد توجيهه، ثم يخرج بعلامةٍ إيطالية أو بوصفة «على الطريقة الإيطالية». بوليا ما زالت تنتج نحو 45٪ من الزيت الإيطالي، تليها صقلية وكالابريا، وتوسكانا حاضرةٌ بالقيمة لا بالحجم. لكن المساحة المزروعة تتآكل: هجر البساتين، وبكتيريا زيليلا في الجنوب الشرقي، وكلفة اليد العاملة، وأشجارٌ هرمة لا تُجدَّد كما ينبغي.
في ديسمبر 2025 كان متوسط سعر الزيت الإيطالي نحو 7.58 يورو/كغ، مقابل 5.05 لليونان، و4.54 لإسبانيا، و3.68 لتونس. هذا الفرق ليس خدعةً كلها؛ بعض الزيت الإيطالي فعلاً أضيق إنتاجاً وأعلى كلفةً وأغنى قصةً. لكن جزءاً غير قليل من الفرق هو ثمن العلامة، لا ثمن العصرة.
المفارقات: حين لا يتطابق الشجر مع الخريطة
1) من يملك الشجرة لا يملك بالضرورة الرفّ
تونس والمغرب وسوريا والجزائر ومصر شجرُها متوسطيٌ عريق. لكن الرفّ في برلين ونيويورك ولندن يحكي غالباً بإسبانيةٍ أو إيطالية. القيمة المضافة تتركّز حيث التعبئة والتسويق والشهادات والتصميم، لا حيث تُقطف الثمرة عند الفجر.
2) الوفرة تخفض السعر… والجفاف يرفع الاسم
بعد موسم 2023/2024 الكارثي قفزت الأسعار إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. ثم عادت الكميات في 2024/2025 و2025/2026، فهدأ السعر. تونس صدّرت أكثر هذا العام وقبضت أقلّ لكل كيلوغرام مما كانت ترجو. إسبانيا، حتى وهي الأولى، تترقّب موسم 2026/2027 الأكبر كي ينزل السعر في المتاجر الأوروبية عام 2027. الدورة معروفة: الشجر يُعطي بسخاءٍ سنة، فيُعاقَب المزارع في السوق، ثم يبخل سنة فيُعاقَب المستهلك.
3) الجودة تونسية… والثقة أوروبية
حصدت زيوت تونسية عشرات الميداليات الذهبية في مسابقاتٍ دولية، وتفوّقت عيناتٌ منها على نظيراتٍ إسبانية ويونانية في بعض الدورات. ومع ذلك يبقى المستهلك العادي أقرب إلى زجاجةٍ كُتب عليها اسم منطقةٍ إيطاليةٍ سمعها في فيلم. الثقة سلعةٌ أبطأ من العصرة.
4) أمريكا تشتري، والمتوسط يعصر
الولايات المتحدة من أكبر المستوردين في العالم. لا تنتج إلا القليل في كاليفورنيا، وتستهلك كثيراً. هذا العام كانت وجهةً أساسية للزيت التونسي (نحو خمس الصادرات التونسية تقريباً). المفارقة الجمركية لعبت دورها أيضاً: ترتيبات الرسوم بين واشنطن وشركائها جعلت بعض المنشأ أكثر جاذبية من بعض في لحظاتٍ معيّنة، فصار السياسة جزءاً من طعم السلطة.
5) تركيا تصعد ثم تهبط كمن يركب الموج
موسم 2024/2025 التركي بلغ نحو 505 آلاف طن، رقمٌ استثنائي. هذا الموسم هبط التقدير إلى نحو 290 ألفاً. شجرة الزيتون في الأناضول، كما في الساحل التونسي وكما في جيان، تحبّ أن تُذكّرنا بأنها ليست مصنعاً.
6) المغرب يعود، وسوريا تصمد، ومصر تتسلل
المغرب قفز تقديره إلى نحو 160 ألف طن بعد سنةٍ ضعيفة. سوريا ما زالت في قائمة العشرة رغم الحرب وما فعلته في الحقول والطرق. مصر تتحرّك في حدود 50 ألفاً، بأرقامٍ صغيرة عالمياً لكنها كبيرةٌ إذا قيست بذاكرة وادي النيل الذي عرف الزيتون دون أن يجعله عماد مائدته كما فعل المتوسط الغربي.
إسبانيا: العملاق الذي لا يحتاج إلى قصيدة
لا تحتاج إسبانيا إلى أسطورةٍ كأسطورة توسكانا. تحتاج إلى هكتارات. جيان وقرطبة وإشبيلية وحقول قشتالة–لا مانشا تكوّن أكبر آلة زيت في التاريخ الزراعي. حتى حين ينخفض إنتاجها قليلاً تبقى أكبر من تونس وإيطاليا واليونان مجتمعاتٍ في بعض السنوات.
هذا الموسم جاء الإنتاج الإسباني جيّداً دون أن يبلغ الذرى التاريخية التي تجاوزت 1.6 مليون طن قبل عقدٍ ونيّف. الجفاف الذي ضرب البلاد في مطلع العشرينيات ما يزال جرحاً في الذاكرة. لذلك ينظر المزارعون إلى خريف 2026 بوصفه اختبار رطوبةٍ لا اختبار شعر.
السعر: لغة السوق حين تصمت الشجرة
خلال 2026 تباينت الأسعار بين المنشأ. الزيت الإيطالي بقي في طبقةٍ عليا. الإسباني نزل تدريجياً عن ذروة الأزمة. التونسي الذي بدأ الموسم بوصفه «عرض المتوسط الرخيص» لم يعد دائماً الأرخص؛ في بعض لقطات الصيف اقترب من الإسباني أو تجاوزه بعدما امتصّت السوق الكمية الأولى.
المعنى للمستهلك العربي بسيط: الزيت «الرخيص جداً» في سنة الوفرة قد يكون تونسياً أو إسبانياً سائباً أُعيد تعبئته. والزيت الغالي جداً قد يكون إيطالياً صغيراً من بستانٍ عائلي، أو قد يكون الرواية نفسها بسعرٍ مضاعف. القراءة تكون في الحموضة، وتاريخ العصرة، واسم المزرعة إن وُجد، لا في علم الدولة وحده.
الموسم المقبل: أزهار 2026 وحسابات 2027
نحن في أواخر أغسطس 2026. الموسم الحالي أوشك على الإغلاق تجارياً، والموسم الجديد – 2026/2027 – تُقرّر ملامحه الأزهار التي خرجت في الربيع والحرّ الذي ضرب الصيف. تقديرات أولية تداولها القطاع في يونيو تحدثت عن إسبانيا في حدود 1.55 مليون طن، وتونس أدنى من سنة القمة (أرقام أُشبِعت بين 250 و345 ألف طن بحسب المصدر)، وإيطاليا قرب 315، والمغرب أعلى، وتركيا أضعف من سنتها الاستثنائية.
ثم جاء صيفٌ حار في أكثر من ضفة. تقارير من اليونان وتركيا وإيطاليا تتحدث عن إجهادٍ مائي وذبابٍ وأحياناً حرائق. في إسبانيا يترقب الجميع «الأفورو» الرسمي في أكتوبر: الرقم الذي يُعلن فتتحرّك به بورصة جيان. إن صدقت التوقعات المتفائلة للأندلس، فقد نرى أسعار التجزئة في أوروبا أهدأ عام 2027. وإن خذل الحرّ الأزهار، عادت الندرة أسرع مما يحبّ المشتري.
ماذا تعني هذه السنة لشجرة الزيتون؟
تعني أولاً أن الشمال الأفريقي لم يعد هامشاً على دفتر المتوسط. تونس هذا الموسم ليست «مموّناً رخيصاً» فقط؛ هي رقمٌ ثانٍ في الإنتاج، ومصدر عملةٍ صعبة لاقتصادٍ يحتاج كل دولار. وتعني ثانياً أن إيطاليا تدفع ثمن عقودٍ من عدم تجديد البساتين، حتى لو ظلّ مطبخها هو المعجم الذي نطبخ به.
وتعني ثالثاً أن المعركة المقبلة ليست في العصّارة بل في الزجاجة. كل نقطة زيت تونسي أو مغربي أو سوري تُباع سائبة هي نقطة قصةٍ تُروى بلسان غير لسانها. التعبئة ليست رفاهية تسويق؛ هي سياسة سيادةٍ زراعية.
وتعني رابعاً أن المناخ صار شريكاً في الملكية. سنة مطر في الساحل التونسي تصنع ثانياً عالمياً. سنة جفاف في الأندلس تُشعل الأسعار في باريس. لا يوجد بعدُ «موسمٌ عادي» بالمعنى القديم.
على المائدة: كيف نقرأ الزيت هذا الخريف؟
- إن وجدت زيتاً تونسياً معبّأً باسم منتجه لا باسم موزّعٍ أوروبي، فأنت أقرب إلى الشجرة لا إلى الوسيط.
- الحموضة المنخفضة وتاريخ العصرة أهم من علم الدولة المطبوع بخطٍ كبير.
- الزيت البيولوجي التونسي وجد أسواقاً في إيطاليا وإسبانيا وأمريكا؛ الطلب موجود، والاختناق في القنوات لا في الجودة.
- لا تخلط بين «زيت إيطالي المذاق» و«زيت عصُر في إيطاليا من ثمار إيطالية». العبارة الأولى تسويق، والثانية جغرافيا.
- احفظ الزيت بعيداً عن الضوء والحرّ. الموسم الجيد يفسد في مطبخٍ سيئ أسرع مما يفسد في حقلٍ عطشان.
الشجرة أقدم من الحدود. أما الملصق فاختراع جمرك.
خاتمة: ما يبقى بعد الإحصاء
في نهاية المطاف، لا يعيش الزيت في جداول المجلس الدولي. يعيش في يد امرأةٍ تجمع على حصيرةٍ خضراء في سيدي بوزيد أو صفاقس، وفي ظهر عاملٍ في بوليا يضرب الغصن بعصاً كما فعل جدّه، وفي تاجرٍ بجيان ينظر إلى السماء قبل أن ينظر إلى السعر. هذا الموسم منح تونس ما يشبه الإنصاف الكمي، ومنح إيطاليا درساً في التواضع الإنتاجي، ومنح إسبانيا تأكيداً بأنها ما زالت ميزان السوق، ومنح الباقين تذكرةً بأن المتوسط بيتٌ واحد بسقوفٍ مختلفة.
أما نحن، قرّاء «شجرة الزيتون»، فنفعل ما فعله الأقدمون: ننظر إلى الثمرة لا إلى الخريطة. الخريطة تتبدّل كل خريف. الشجرة تبقى، إن أُسقيت، وإن لم نخن اسمها على الزجاجة.